أحمد بن علي القلقشندي
98
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المحارم كان الضرر به أكثر من الانتفاع ، وأثّر فعله من الأضرار ما لم تؤثّره السيوف ، وللَّه القائل ! : ولضربة من كاتب ببنانه أمضى وأقطع من رقيق حسام قوم إذا عزموا عداوة حاسد سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام وأيضا فإنه لا يقبل قول الفاسق فتضيع به المصالح ، وربما حمله الفسق وعدم الاكتراث بأمور الدّين على وهن يدخله على الدّين بقلمه ، أو ضرر يجلبه بلسانه . وأيضا فالكتابة ولاية شرعية والفاسق لا تصح توليته شيئا من أمور المسلمين ؛ وقد أطلق القاضي أبو الطيب والماورديّ من أصحابنا الشافعية القول باشتراط العدالة في كاتب القاضي فيجب مثله في كاتب السلطان بل أولى على ما تقدّم . الصفة السادسة ، البلاغة - بحيث يكون منها بأعلى رتبة وأسنى منزلة ؛ فإنه لسان السلطان الذي ينطق به ، ويده التي بها يكتب . وربّ كاتب بليغ أصاب الغرض في كتابته فأغنى عن الكتائب ، وأعمل القلم فكفاه إعمال البيض القواضب ، وإذا كان جيّد الفطنة صائب الرأي حسن الألفاظ ، تتأتّى له المعاني الجزلة فيجلوها في الألفاظ السهلة ، ويختصر حيث يكون الاختصار ، ويطيل حيث لا يجد عن الإطالة بدّا ويتهدّد فيملأ القلوب روعة ، ويشكر فيلقي على النفوس مسرّة ؛ وإن كتب إلى ملك كبير وذي رتبة خطير عظَّم مملكة سلطانه وفخّمها في معارض كلامه من غير أن يوجد أن ذلك قصده . الصفة السابعة ، وفور العقل ، وجزالة الرأي - فإن العقل أسّ الفضائل وأصل المناقب ؛ ومن لا عقل له لا انتفاع به ، وكلام المرء ورأيه على قدر عقله ؛ فإذا كان تام العقل كامل الرأي ، وضع الأشياء في مكاتباته ومخاطباته في مواضعها ، وأتى بالكلام من وجهه ، وخاطب كلّ أحد عن سلطانه بما يقتضيه الحال التي يكون عليها ، فيشتدّ ما كانت الشدّة نافعة ، ويلين حين